عبد القاهر الجرجاني
271
دلائل الإعجاز في علم المعاني
أأن أرعشت كفّا أبيك وأصبحت * يداك يدي ليث فإنّك غالبه " 1 " وجدته قد بدا لك في صورة آنق وأحسن ثم نظرت إلى قول أرطاة بن سهيّة : [ من البسيط ] إن تلقني لا ترى غيري بناظرة * تنس السّلاح وتعرف جبهة الأسد " 2 " وجدته قد فضل الجميع ، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصّور كلّها . واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع إلى النفس حتى لا يشكّ . ثم إنّه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدّلالة عليه ، رأى المسلك إليه يغمض ويدقّ . وهذه الشبهة أعني قولهم : " إنه لو كان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أنّ الفصاحة وصف للّفظ من حيث هو لفظ ، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشّعر فضل على تفسير المفسّر " ، إلى آخره من ذاك . وقد علقت لذلك بالنّفوس وقويت فيها ، حتى إنك لا تلقي إلى أحد من المتعلقين بأمر " اللفظ " كلمة مما نحن فيه ، إلا كان هذا أوّل كلامه ، وإلّا عجّب وقال : " إنّ التفسير بيان للمفسّر ، فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسّر شيء لا يؤدّيه التفسير ولا يأتي عليه ، لأن في تجويز ذلك القول بالمحال ، وهو أن لا يزال يبقى من معنى المفسّر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل . وإذا كان الأمر كذلك ، ثبت أن الصحيح ما قلناه ، من أنه لا يجوز أن يكون للّفظ المفسّر فضل من حيث المعنى على لفظ التفسير . وإذ لم يجز أن يكون الفضل من حيث المعنى ، لم يبق إلا أن يكون من حيث اللفظ نفسه " . فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه الشبهة ، قد استقصيته لك . وإذ قد عرفته فاسمع الجواب ، وإلى اللّه تعالى الرّغبة في التوفيق للصواب .
--> ( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه ( 1 / 105 ) ط ، دار صادر ، بيروت ، من خمسة أبيات قالها حيث كان له ثلاثة أولاد يقال : : لواحد منهم لبطة والآخر : حنظلة ، والثالث : سبطة ، وكان لبطة من العققة فقال له هذه الأبيات ، وهذا البيت مطلعها وبعده : إذا غلب ابن الشباب أبا له * كبيرا فإن اللّه لا بد غالبه رأيت تباشير العقوق هي التي * من ابن امرئ ما إن يزال يعاتبه ولما رآني قد كبرت وأني * أخو الحي واستغنى عن المسح شاربه أصاخ لغربان النعي وإنه * لأزور عن بعض المقالة جانبه ( 2 ) البيت سبق ص ( 145 ) ، وهو في الأغاني ( 13 / 37 ) ، وبعده : ما ذا تظنك تغني في أخي رصد * من أسد خفان جابي العين ذي لبد وكان شبيب بن البرصاء يقول : وددت أني جمعني ابن الأمة أرطاة بن سهية يوم قتال فأشفي منه غيظي ، فبلغ ذلك أرطاة ، فقال له عدة أبيات منها هذا البيت . الناظرة : العين .